طوال عشر سنوات من الاحتلال (١٨٨٢م - ١٨٩٢م) خمدت الروح الوطنية بسبب: وقوع مصر تحت الاحتلال البريطاني ونفي بعض زعماء الثورة العرابية واعتقال البعض الآخر، فأصبحت السلطة الفعلية في مصر للمعتمد البريطاني، وبدأت سياسة إخضاع الإدارة في مصر للعناصر الانجليزية في كل مصلحة حكومية، في الجيش، والشرطة، والمالية، والأشغال، والحقانية (العدل) ولم تجد هذه السياسة أدنى اعتراض خلال سنوات الاحتلال الأولى أيام حكم الخديو توفيق، خاصة وأن الإنجليز هم الذين حموه من الثورة العرابية. كانت الشخصيات البارزة في مصر قد تفرقت وخلعت ثوب المقاومة وانشغل بعضها بالوظائف الحكومية، وانصرف البعض إلى الأعمال الخاصة في المحاماة والزراعة والتجارة بل أن البعض صانع الإنجليز. تاريخ مصر والعرب الحديث تاريخ مصر والعرب الحديث ولا يذكر في هذا إلا:
فلما تولى عباس حلمي الثاني في يناير(١٨٩٢م) العرش بعد وفاة والده تطلع إلى مزاولة سلطاته كاملة بعيدًا عن سيطرة وتوجيه المعتمد البريطاني. فأوقعه هذا التطلع في أزمات متتالية مع السلطات البريطانية التي لم تكن تسمح بذلك، وحتى لا تخرج أمور مصر من يدها. وكانت أبرز هذه الأزمات عندما أقدم الخديو عباس على إقالة مصطفى فهمي من رئاسة الوزارة، وكان معروفًا بخضوعه التام للإنجليز، وتعيين حسين فخرى باشا وذلك دون استشارة المعتمد البريطاني (يناير ١٨٩٣م). وقد اعترض كرومر على ذلك، وأبرق إلى حكومته في لندن، وفي النهاية اضطر الخديو إلى المهادنة، وتم التوصل إلى حل يحافظ على كرامته إلى حد ما، وهو الإيعاز إلى حسين فخرى بتقديم استقالته وتكليف رياض باشا برئاسة الوزارة. ولقد وعى الخديو هذا الدرس، ولم يفكر في المواجهة مع كرومر مرة أخرى إلى أن غادر كرومر البلاد في (١٩٠٧م) وعلى العكس فقد تراجع عباس عن مواقفه المتشددة تجاه الاحتلال إلى الوفاق مع الإنجليز على حساب الحركة الوطنية بعد رحيل كرومر وتعيين جورست ١٩٠٧م. وعلى حين كانت السلطة الفعلية للإنجليز في مصر، كان السلطان العثماني يقاسم الخديو السلطة القانونية الإسمية والتي تتمثل في إصدار فرمانات التولية، وفي الوقت نفسه كان هناك وجود دولى لبعض الإدارات كان من شأنه الإخلال بمبدأ السيادة للدولة، وقد تمثل هذا الوجود في صندوق الدين وإدارة السكك الحديدية والتنغراف والدائرة السنية والدومين وميناء الإسكندرية فضلاً عن الإمتيازات الأجنبية والمحاكم المختلطة. ولقد وثق الخديو علاقاته بالسلطان العثماني حتى يستند إليه إذا مادمت الحاجة لمواجهة السيطرة الإنجليزية، وحتى لا تتفق الدولة العثمانية مع انجلترا ضده، ومن ناحية أخرى أخذ يتقرب إلى الشعب فأفرج عن بعض مسجونى الثورة العرابية، وعين بعضهم في وظائف خارج الجيش، وأعاد إليهم نياشينهم التي جُردوا منها، وعفا عن عبد الله النديم خطيب الثورة العرابية وسمح له بمزاولة نشاطه علنًا، وقد كان مختفيًا هاربًا من السلطات. المطارح الأميرية تاريخ مصر والعرب الحديث تاريخ مصر والعرب الحديث ولقد شجعت مواقف عباس حلمي الثاني المتشددة في البداية ضد الاحتلال روح المقاومة والمعارضة لدى المصريين، فبدأ مجلس شورى القوانين يهتم بالأمور السياسية وكان ممنوعًا من مناقشتها لأن المجلس في عرف السياسة الانجليزية كان صوريًا فقط، فطالب المجلس بمناقشة الميزانية، وطالب بوضع نظام جديد للضرائب، وطالب بحل مشكلة الديون العقارية، والتوقف عن تعيين الأجانب في الوظائف العليا. ولقد تأثر المصريون بمواقف الخديو، وجرت في عروقهم دماء المقاومة التي كانت قد جفت منذ الاحتلال
١
قيام جمعية سرية "جمعية الانتقام" وكانت تهدف إلى تحرير الوطن باغتيال الإنجليز لكن ما لبث أن قضى على أفرادها في وقت قصير(يونية ١٨٨٣م)
٢
تأسست جريدة "العروة الوثقى" على يد جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده لمهاجمة الاحتلال.
٣
تأسست جريدة "المؤيد" (١٨٨٩م) في إطار الجامعة الإسلامية.