وكان المناخ العام السياسي والمالي والاقتصادي ينذر بالاحتجاج والثورة، وكان العسكريون في مصر أكثر تأهلاً للقيام بالثورة نظرًا لقدرتهم التنظيمية التي يتميزون بها عن المدنيين، حيث كانوا يعانون داخل الجيش من تعسف القيادات التركية الشركسية وحرمانهم من تولي أمور القيادة والرتب العالية، ولما كان العسكريون جزءًا لا يتجزأ من المجتمع المصري، فقد تأثروا أيضًا بالمناخ العام المنذر بالثورة، وهذا ما أعطى الثورة العرابية بقيادة العسكريين طابعًا مدنيًا وشعبيًا عامًا. أما السبب المباشر لتذمر وتجمع العسكريين المصريين، فكان يتمثل في نقل الأميركى عبد العال بك حلمي قائد آلاي طره إلى ديوان الحربية (مقر الوزارة)، وتعيين أحد الشراكسة مكانه، فكان هذا يعد تنزيلاً لمرتبته. وعلى أثر ذلك تجمع الضباط المصريون في منزل أحمد عرابي في (يناير ١٨٨١م) لمناقشة وضعهم داخل الجيش، وأسفر الاجتماع عن تزعم أحمد عرابي لحركة مطالب الضباط، وكتبوا عريضة تطالب رئيس الوزارة بعزل وزير الحربية التركى(عثمان رفقي)، وتعيين مصرى مكانه. حادثة قصر النيل (مظاهرة عابدين الأولى) (يناير— فبراير ١٨٨١ م) لم تستجب الحكومة لمطلب الضباط وتقرر اعتقال زعمائهم وتقديمهم للمحاكمة العسكرية وهم: أحمد عرابي، وعلى فهمي، وعبد العال حلمي، وأثناء المحاكمة في قصر النيل كان زملاء الضباط الثلاثة قد خرجوا على رأس فرقهم العسكرية وهاجموا مقر المحاكمة، فهرب المجلس العسكري وخرج الضباط الثلاثة إلى ميدان عابدين لمقابلة الخديو، وأمام التجمهر في عابدين اضطر الخديو المطارح الأميرية تاريخ مصر والعرب الحديث تاريخ مصر والعرب الحديث إلى عزل عثمان رفقي وتعيين محمود سامي البارودي وزيرًا للحربية في فبراير ١٨٨١م. ونتيجة لهذه الاستجابة شعر الضباط بقوتهم وبالثقة في قدرتهم، وبدأوا في تقديم مطالب فئوية لتأمين وضعهم داخل الجيش وتحسين حياتهم ولقد تمت الاستجابة لمعظم هذه المطالب والتي تتلخص في : * صرف بدل نقدي عن التغذية والملابس وزيادة المرتبات عامة. * عدم استقطاع مرتباتهم مدة الأجازات. * أن يدفع العسكريون نصف أجرة بالسكة الحديدية.
وكان قد وصل عملياً إلى اثني عشر ألف جندي فقط -
الوزارة مسئولة أمامه، عملاً بالنظام النيابي؛ وقد أثبت هذا الطلب في حد ذاته توحد حركة الجيش مع الحركة المدنية السياسية العامة ضد نظام الحكم.
وجد الخديو أن نفوذ الضباط أخذ في الازدياد، فبدأ يعمل على تحجيم وضعهم، وتحديد نفوذهم بمختلف الوسائل، من ذلك أنه بدأ يحرض الجنود تحت رئاستهم بكتابة تقارير ضدهم، وبدأت شكوك الضباط تزداد نحو الخديو، وقد تمثل ذلك في رفضهم تنفيذ بعض الأوامر العسكرية؛ مثل رفضهم الذهاب للسودان لإخماد ثورة المهدى؟ اعتقاداً منهم أن الغرض من ذلك إبعادهم عن مجرى الحوادث في مصر، وامتناعهم أيضاً عن إشراك جنود الفرق العسكرية في حفر الرياح التوفيقي اعتقاداً أيضاً بأن الغرض من ذلك جمع السلاح من أيدي جنودهم. وتتأبعت الحوادث... ففي تلك الأثناء حدث أن صدمت عربة أحد الأوروبيين أحد الجنود المصريين بالإسكندرية وقتلته في (يوليو ١٨٨١م) وطلب الجند من الخديو التدخل لمعاقبة الجانبي، وحملوا القتيل إلى سراي الخديو بالمدينة، وقد استاء الخديو من ذلك المسلك، وحوكم المشاركون في هذه المظاهر وتم نفيهم إلى السودان. * ثورة المهدى : ثورة قام بها محمد أحمد الملقب بالمهدى في السودان بهدف فصل السودان عن مصر. تاريخ مصر والعرب الحديث تاريخ مصر والعرب الحديث تقدم عبد العال حلمي بتقرير يتضرر من الأحكام الصادرة على الجند وقام البارودى برفعه إلى رئيس الوزراء، وقد استاء الخديو مرة أخرى من هذا الأسلوب، فقدم البارودى استقالته، فما كان من الخديو إلا أن عين صهره داود باشا يكن وزيرًا للحربية، وقام داود باشا بالتشديد على رقابة الضباط والتضييق عليهم ومنعهم من الاجتماعات. على كل حال أدرك الخديو من سير الحوادث مدى نفوذ الضباط الثلاثة داخل الجيش، وبدأ يعد خطة لتفريق شملهم ونقل كلا منهم لمكان بعيد عن الآخر، وفي الوقت نفسه كانت ثورة عرابي ومكانته تزداد بين الضباط وبين المدنيين على السواء، وبدأ يوجه الاتهامات للحكومة من حيث عدم الوفاء بوعدها في إصلاح حال العسكريين، واتفق عرابي مع زملائه على حشد الجيش لمواجهة الخديو في ميدان عابدين يوم ٩ سبتمبر ١٨٨١م.
١
ازدياد التدخل الأجنبي وخضوع الخديو للأجانب.
٢
الحكم المطلق المستبد للخديو ورياض باشا رئيس الوزراء.
٣
سوء الأحوال الاقتصادية عامة وانهيار الخدمات بسبب تخصيص أكثر من نصف موارد الميزانية لحساب الديون، وكان هذا معناه حرمان الأهالي ثمرة جهودهم. تاريخ مصر والعرب الحديث تاريخ مصر والعرب الحديث
٤
تذمر حائزو الأرض بسبب إلغاء قانون المقابلة، وكانوا قد استدانوا لدفع ستة أمثال الضريبة أملاً في الإعفاء من نصف الضريبة مستقبلاً وامتلاك الأرض ملكية قانونية.