📖
من الجين المعزول إلى تطبيقات حياتية
بعد التقدم في معرفة تركيب الجين وكيفية تخليق البروتين، أصبح من الممكن الآن عزل جين مرغوب فيه وتكوين ملايين النسخ منه في داخل خلية بكتيرية أو خلية خميرية، كما يمكننا أن نحلل هذه النسخ لمعرفة تتابع النيوكليوتيدات في هذا الجين، كما يمكننا إجراء مقارنة بين تركيب جينات نفس الفرد أو جينات أفراد مختلفة، ومعرفتنا عن تتابع النيوكليوتيدات في الجين تمكننا من معرفة تتابع الأحماض الأمينية في البروتين المقابل، ولقد أمكن في حالات كثيرة نقل جينات وظيفية إلى خلايا نباتية وأخرى حيوانية.
ولقد أصبح الآن من الممكن بناء جزيئات DNA حسب الطلب. ففي عام ١٩٧٩ تمكن خورانا من إنتاج جين صناعي وأدخله إلى داخل خلية بكتيرية، ويوجد الآن في العديد من المعامل أجهزة يمكن برمجتها لإنتاج شريط قصير من DNA يحتوى على تتابع النيوكليوتيدات الذي نرغب فيه.
والإنجازات السابقة هي نتاج التكنولوجيا الجزيئية والتي تعرف بالهندسة الوراثية وسنتناولها فيما يلي :
عند رفع درجة حرارة جزيء DNA إلى ١٠٠ °م تنكسر الروابط الهيدروجينية التي تربط القواعد المتزاوجة في شريطي اللولب المزدوج، ويتكون شريطان مفردان غير ثابتين.
وعند خفض درجة حرارة DNA فإن الأشرطة المفردة تميل إلى الوصول إلى حالة الثبات عن طريق تزاوج كل شريط مع شريط آخر لتكوين لولب مزدوج مرة أخرى، وأي شريطين مفردين من DNA أو RNA يمكنهما تكوين شريط مزدوج إذا وجد بهما تتابعات ولو قصيرة من القواعد المتكاملة.
تتوقف شدة التصاق الشريطين على درجة التكامل بين تتابعات قواعدهما النيتروجينية، ويمكن قياس شدة الالتصاق بين شريطي النيوكليوتيدات بمقدار الحرارة اللازمة لفصل الشريطين مرة أخرى، فكلما كانت شدة التصاق الشريطين كبيرة زاد مقدار الحرارة اللازمة لفصلهما.
ويمكن استخدام قدرة الشريط المفرد لـ DNA أو RNA على الالتصاق طويلًا في إنتاج لولب مزدوج هجين ( أو خليط)، وذلك بمزج الأحماض النووية من مصدرين مختلفين ( نوعين مختلفين من الكائنات الحية مثلًا ) ثم رفع درجة الحرارة إلى ٥١٠٠ م، فعندما يسمح للخليط أن يبرد فإن بعض اللولب المزدوجة الأصلية تتكون، وسيتكون في نفس الوقت عدد من اللولب المزدوجة الهجين يتكون كل منهما من شريط من كلا المصدرين.
١- يستخدم تهجين DNA في الكشف عن وجود جين معين داخل محتواه الجيني وكميته حيث يحضر شريط مفرد لتتابعات النيوكليوتيدات يتكامل مع أحد أشرطة الجين محل الدراسة، وتستخدم النظائر المشعة في تحضير هذا الشريط حتى يسهل التعرف عليه بعد ذلك، ثم يخلط هذا الشريط مع العينة غير المعروفة ويستدل على تركيز الجين في الخليط بالكمية التي تتكون بها اللولب المزدوجة المشعة.
٢- يستخدم تهجين DNA في تحديد العلاقات التطورية بين الأنواع المختلفة، فكلما كانت العلاقات التطورية أقرب بين نوعين كلما تشابه تتابع نيوكليوتيدات DNA بهما وزادت درجة التهجين بينهما.
كان من المعروف أن الفيروسات التي تنمو في داخل سلالات معينة من بكتيريا (E.coli) يقتصر نموها على هذه السلالات فقط ولا تستطيع أن تنمو داخل سلالات أخرى، وفي السبعينيات أرجع الباحثون ذلك إلى أن هذه السلالات المقاومة من البكتيريا تكون إنزيمات تتعرف على مواقع معينة على جزئ DNA الفيروسي الغريب وتهضمه إلى قطع عديمة القيمة وقد أطلق على هذه الإنزيمات اسم إنزيمات القصر.
والسؤال الآن، لماذا لا تهاجم هذه الإنزيمات DNA الخاص بالخلية البكتيرية؟
لقد وجد أن البكتيريا التي تحافظ على DNA الخاص بها فإنها تكون إنزيمات معدلة. حيث تضاف مجموعة ميتيل CH₃ إلى النيوكليوتيدات في مواقع جزىء DNA البكتيري التي تتماثل مع مواقع تعرف الفيروس مما يجعل DNA البكتيري مقاوماً لفعل هذا الإنزيم.
ولقد اتضح أن إنزيمات القصر منتشرة في الكائنات الدقيقة، كما تم فصل مايزيد على ٢٥٠ إنزيمًا من سلالات بكتيرية مختلفة، وكل إنزيم من هذه الإنزيمات يتعرف على تتابع معين للنيوكليوتيدات مكون من ٤ - ٧ نيوكليوتيدات، ويقص الإنزيم جزىء DNA عند أو بالقرب من موقع التعرف ( شكل ٤ )، وتتابع القواعد النيتروجينية على شريط DNA عند موقع القطع يكون هو نفسه عندما يقرأ التتابع على كل شريط في اتجاه ٠° - ٣ ولكل إنزيم قصر القدرة على قطع جزئ.
بفض النظر عن مصدره DNA فيروسي أو بكتيري أو نباتي أو حيواني ما دام هذا الجزء يحتوي على DNA نسخة أو أكثر من تتابعات التعرف.
وتوفر إنزيمات القصر وسيلة لقص DNA إلى قطع معلومة النيوكليوتيدات عند أطرافها، كما أن العديد منها يكون أطرافاً مفردة حيث تكون قطع اللولب المزدوج ذات طرفين مفردي الشريط يطلق عليها " الأطراف اللاصقة " لأن قواعدها تتزاوج مع طرف قطعة أخرى لشريط آخر نتج عن استخدام نفس الإنزيم على أي DNA آخر. ويمكن بعد ذلك ربط الطرفين إلى شريط واحد بواسطة إنزيم الربط. وبهذه الطريقة يستطيع الباحث لصق قطعة معينة من جزيء DNA بقطعة أخرى من جزئ آخر.
يقوم علماء البيولوجيا بإنتاج العديد من نسخ جين ما أو قطعة من DNA وذلك بلصقها بجزيء ما، يحملها إلى خلية بكتيرية، وعادة ما يكون هذا الحامل فاج أو بلازميد.
ولكي يلصق الجين الغريب أو قطعة DNA بالبلازميد يعامل كل من الجين والبلازميد بنفس إنزيم القصر لتكوين نهايات مفردة الشريط متكاملة القواعد لاصقة، وعندما يتم خلط الاثنين فإن بعض النهايات اللاصقة للبلازميد تتزاوج قواعدها مع النهايات اللاصقة للجين، ثم يتم ربط الاثنين باستخدام إنزيم الربط.
بعد ذلك يضاف البلازميد إلى مزرعة من البكتيريا، أو خلايا الخميرة التي سبق معاملتها لزيادة نفاذيتها ل DNA حيث تدخل بعض البلازميدات إلى داخل الخلايا، وكلما نمت هذه الخلايا وانقسمت تتضاعف البلازميدات مع تضاعف المحتوى الجيني للخلية، بعد ذلك يتم تكسير الخلايا وتحرير البلازميدات. ويتم إطلاق الجين من البلازميدات باستخدام نفس إنزيم القصر الذي سبق استخدامه، ثم يتم عزل الجينات بالطرد المركزى المفرق، وبذلك يصبح لدى الباحث كمية كافية من الجين أو قطع DNA المتماثلة يستطيع أن يحللها لمعرفة تتابع النيوكليوتيدات بها أو يمكن زراعتها في خلية أخرى.
والطريقة الأفضل لفصل DNA (جين) عن جينوم تبدأ بالخلايا التي يكون فيها الجين الذي نود التعامل معه نشطًا مثل خلايا البنكرياس التي تكون الأنسولين والخلايا المولدة لكرات الدم الحمراء التي تكون الهيموجلوبين. ففي هذه الخلايا توجد كمية كبيرة من mRNA الذي يحمل الرسالة اللازمة لبناء هذه البروتينات، ويقوم الباحث بعزل هذا الحمض النووي واستخدامه كقالب لبناء DNA الذي يتكامل معه، ويشبه ذلك تضاعف DNA إلى حد كبير، ويطلق على الإنزيم الذي يقوم ببناء DNA على قالب من mRNA اسم إنزيم النسخ العكسي. وهذا الإنزيم توجد شفرته في الفيروسات التي محتواها الجين يتكون من mRNA. حيث تستخدمه في تحويل محتواها من RNA إلى DNA الذي يرتبط بالمحتوى الجيني من DNA في خلية العائل. وما أن ينتهي هذا الإنزيم من بناء شريط مفرد من DNA، فإنه يمكن بناء الشريط المتكامل معه باستخدام إنزيم البلمرة ويمكن بعد ذلك مضاعفة هذا اللولب المزدوج من DNA ويستخدم حالياً لمضاعفة قطع DNA جهاز الذي يستخدم إنزيم تاك بوليميريز الذي يعمل عند درجة حرارة مرتفعة، ويستطيع هذا الجهاز خلال دقائق معدودة من مضاعفة قطع DNA آلاف المرات.
لقد شهدت السنوات الأخيرة فيضاً من الإنجازات في تكنولوجيا DNA معاد الاتحاد، أي إدخال جزء من DNA الخاص بكائن حي إلى خلايا كائن حي آخر، ذلك أصبح الآن من الممكن: إدخال نسخ من جينات طبيعية إلى بعض الأفراد المصابة بعض جيناتهم بالعطب، وبذلك نزيل عنهم المعاناة ونعفيهم من الاستخدام المستمر للعقاقير لعلاج الظل الوراثي (من الواضح أن هذه قد تكون تكنولوجيا خطرة جداً لو استخدمت لتحقيق أغراض أخرى، وهناك العديد ممن يعارضون بشدة استمرار البحث في هذا المجال).
( أ ). إنتاج بروتينات مفيدة على نطاق تجاري. ففي عام ١٩٨٢ رخصت الولايات المتحدة الأمريكية استخدام أول بروتين يتم إنتاجه بتكنولوجيا DNA معاد الاتحاد وهو هرمون الأنسولين البشري الذي يحتاجه يومياً ملايين البشر المصابين بمرض السكر، وكان يتم استخلاص الأنسولين قبل ذلك من بنكرياس المواشي والخنازير. لكن الأنسولين البشري الذي تنتجه البكتيريا أفضل لبعض المرضى الذين لا يتحملون الفروق الطفيفة بين الأنسولين البشري وأنسولين الأنواع الأخرى.
( ب ). توصل الباحثون كذلك إلى تكوين بكتيريا تحتوي على جينات الإنترفيرونات البشرية، وهي بروتينات توقف تضاعف الفيروسات (على الأخص التي يتكون محتوها الجيني من RNA مثل فيروس الانفلونزا وشلل الأطفال) وفي داخل جسم الإنسان تبني الإنترفيرونات وتنطلق من الخلايا المصابة بالفيروس وتعمل على وقاية الخلايا المجاورة من مهاجمة الفيروس.
ويظهر أن الإنترفيرونات قد تكون مفيدة في علاج بعض الأمراض الفيروسية وكان الإنترفيرون المستخدم في الطب حتى عام ١٩٧٠ يستخلص بصعوبة من الخلايا البشرية، ولذلك كان نادر الوجود ومرتفع الثمن، ولقد تمكن الباحثون في مصانع الأدوية في الثمانينات من إدخال ١٥ جيناً بشرياً للإنترفيرون إلى داخل خلايا بكتيرية وبذلك أصبح الإنترفيرون الآن وفيراً ورخيص الثمن نسبياً.
( ج ) تمكن بعض الباحثون الزراعيون من إدخال جينات مقاومة للمبيدات العشبية ومقاومة لبعض الأمراض الهامة في نباتات المحاصيل، كما أن هناك جهوداً كبيرة تبذل الآن في محاولة عزل ونقل الجينات الموجودة في النباتات البقولية والتي تمكنها من استضافة البكتيريا القادرة على تثبيت النيتروجين الجوى في جذورها. وإذا أمكن زرع تلك الجينات في نباتات محاصيل أخرى لا تستطيع استيعاب هذه البكتيريا لأمكن الاستغناء عن إضافة الأسمدة النيتروجينية عالية التكلفة والتي تسهم بقدر كبير في تلويث الماء في المناطق الزراعية.
( د ) تمكن بعض الباحثين من زرع جين من سلالة من ذبابة الفاكهة في جنين سلالة أخرى وقد تم زرع الجين في
خلايا مقرر لها أن تكون أعضاء تكاثرية، وعندما نمت الأجنة إلى أفراد انتقل إليها الجين الذي أضفى على الأجيال الناتجة عن تزاوج هذه الأفراد سفه لون الياقوت الاحمر للعين بدلاً من اللون البني كما قام فريق آخر من الباحثين بإدخال جين هرمون نمو من فأر من النوع الكبير أو من الإنسان إلى فئران من النوع الصغير حيث نمت هذه إلى ضعف حجمها الطبيعي بالإضافة إلى أن هذه الصفة انتقلت إلى نتائجها من الفئران ومن الأمثلة الأخرى للنجاحات في مجال DNA معاد الاتحاد تعديل الجينوم البكتيري لإنتاج الآتيجينات الخاصة بمسببات الأمراض، بهدف تصنيع لقاحات آمنة.
مشروع الجينوم البشري هو جهد دولي ضخم يهدف إلى دراسة تتابع الجينات على الكروموسومات البشرية ومعرفة تتابع النيوكليوتيدات في كل من هذه الجينات، ولقد أجرى هذا المشروع في الفترة من ١٩٩٠ إلى ٢٠٠٣، وكانت نتائجه هائلة ومنها أن عدد الجينات في الجينوم البشري يصل فقط إلى حوالي ٢٥٠٠٠ جين موجودة على ٢٣ كروموسوم، ولقد أصبحت المعلومات التي توصل إليها هذا المشروع متوفرة الآن للمجتمع العلمي.
١- معرفة الجينات المسببة للأمراض الوراثية الشائعة والنادرة.
٢- معرفة الجينات المسببة لعجز الأعضاء عن أداء وظائف الجسم.
٣- الاستفادة من الجينوم البشري في المستقبل في مجال صناعة العقاقير والوصول إلى عقاقير بلا آثار جانبية.
٤- دراسة تطور الكائنات الحية من خلال مقارنة الجينوم البشري بغيره من جينات الكائنات الحية الأخرى.